فصل: تفسير الآيات رقم (105 - 108)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏99 - 101‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا‏}‏

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ كما قَصَصْنَا عليك خبر موسى، وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا ‏{‏وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا‏}‏ أي‏:‏ عندنا ‏{‏ذِكْرًا‏}‏ وهو القرآن العظيم، الذي ‏{‏لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 42‏]‏، الذي لم يعط نبي من الأنبياء ‏[‏منذ بعثوا إلى أن ختموا‏]‏ بمحمد صلى الله عليه وسلم تسليما، كتابًا مثله ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ‏}‏ أي‏:‏ كذب به وأعرض عن اتباعه أمرًا وطلبًا، وابتغى الهدى في غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا‏}‏ أي‏:‏ إثمًا، كما قال ‏[‏الله‏]‏ تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 19‏]‏‏.‏ فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضَلَّ وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ لا مَحِيد لهم عنه ولا انفكاك ‏{‏وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا‏}‏ أي‏:‏ بئس الحمل حملهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏102 - 104‏]‏

‏{‏يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا‏}‏

ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الصُّور، فقال‏:‏ ‏"‏قَرنٌ يُنفَخ فيه‏"‏‏.‏

وقد جاء في حديث ‏"‏الصور‏"‏ من رواية أبي هريرة‏:‏ أنه قرن عظيم، الدَّارة منه بقدر السماوات والأرض، ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام‏.‏ وجاء في الحديث‏:‏ ‏"‏كيف أنعَمُ وصاحب القَرْن قد التقم القَرْن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له‏"‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله، كيف نقول‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏قولوا‏:‏ حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا‏}‏ قيل‏:‏ معناه زُرْق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال‏.‏

‏{‏يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يتسارّون بينهم، أي‏:‏ يقول بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا‏}‏ أي‏:‏ في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ‏}‏ أي‏:‏ في حال تناجيهم بينهم ‏{‏إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً‏}‏ أي‏:‏ العاقل الكامل فيهم، ‏{‏إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا‏}‏ أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم ‏[‏يوم المعاد؛ لأن الدنيا كُلَّها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها‏]‏ وساعاتها كأنها يوم واحد؛ ولهذا تستقصر مدة الحياة الدنيا يوم القيامة‏:‏ وكان غرضهم في ذلك ‏[‏درء‏]‏ قيام الحجة عليهم، لقصر المدة؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 55، 56‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 37‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 112-114‏]‏ أي‏:‏ إنما كان لُبثكم فيها قليلا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قَدَّمتُم الحاضر الفاني على الدائم الباقي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏105 - 108‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ‏}‏ أي‏:‏ هل تبقى يوم القيامة أو تزول‏؟‏ ‏{‏فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا‏}‏ أي‏:‏ يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرًا‏.‏

‏{‏فَيَذَرُهَا‏}‏ أي‏:‏ الأرض ‏{‏قَاعًا صَفْصَفًا‏}‏ أي‏:‏ بساطًا واحدًا‏.‏

والقاع‏:‏ هو المستوي من الأرض‏.‏ والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل‏:‏ الذي لا نبات فيه‏.‏ والأول أولى، وإن كان الآخر مرادًا أيضًا باللازم؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا‏}‏ أي‏:‏ لا ترى في الأرض يومئذ واديًا ولا رابية، ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا، كذلك قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة، وغير واحد من السلف‏.‏

‏{‏يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ‏}‏ أي‏:‏ يوم يرون هذه الأحوال والأهوال، يستجيبون مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 38‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 8‏]‏‏.‏

قال محمد بن كعب القُرَظِي‏:‏ يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت ‏[‏فيأتونه‏]‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ‏}‏‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏{‏لا عِوَجَ لَهُ‏}‏ لا يميلون عنه‏.‏

وقال أبو صالح‏:‏ ‏{‏لا عِوَجَ لَهُ‏}‏ لا عوج عنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ‏}‏‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ سكنت‏:‏ وكذا قال السدي‏.‏

‏{‏فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا‏}‏ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس‏:‏ يعني‏:‏ وطء الأقدام‏.‏ وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا‏}‏‏:‏ الصوت الخفي‏.‏ وهو رواية عن عكرمة، والضحاك‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا‏}‏‏:‏ الحديث، وسره، ووطء الأقدام‏.‏ فقد جمع سعيد كلا القولين وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع‏.‏ وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 105‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109 - 112‏]‏

‏{‏يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ أي‏:‏ يوم القيامة ‏{‏لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ‏}‏ أي‏:‏ عنده ‏{‏إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏،وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 26‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 28‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 23‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 38‏]‏‏.‏

وفي الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله عز وجل أنه قال‏:‏ ‏"‏آتي تحت العرش، وأخر لله ساجدًا، ويَفْتَح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول‏:‏ يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود‏"‏، فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء‏.‏

وفي الحديث ‏[‏أيضًا‏]‏ يقول تعالى‏:‏ أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فَيُخْرِجُون خلقا كثيرا، ثم يقول‏:‏ أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرّة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرّة من إيمان‏"‏ الحديث‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يحيط علما بالخلائق كلهم، ‏{‏وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ‏}‏ قال ابن عباس، وغير واحد‏:‏ خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم‏:‏ الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا‏}‏ أي‏:‏ يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء‏.‏

وفي الحديث‏:‏ ‏"‏يقول الله تعالى‏:‏ وعزتي وجلالي، لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم‏"‏‏.‏

وفي الصحيح‏:‏ ‏"‏إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة‏"‏‏.‏ والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو مشرك به؛ فإن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 13‏]‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا‏}‏ لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يُظْلَمُون ولا يُهضَمون، أي‏:‏ لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم‏.‏ قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغير واحد‏.‏ فالظلم‏:‏ الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم‏:‏ النقص‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113 – 114‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا‏}‏

يقول‏:‏ ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعا لا محالة، أنزلنا القرآن بشيرًا ونذيرًا، بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عيّ، ‏{‏وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتركون المآثم والمحارم والفواحش، ‏{‏أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا‏}‏ وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات‏.‏ ‏{‏فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ‏}‏ أي‏:‏ تنزه وتقدس الملك الحق، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق‏.‏ وعدله تعالى ألا يعذب أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏}‏ كقوله تعالى في سورة ‏"‏لا أقسم بيوم القيامة‏"‏ ‏{‏لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 16-19‏]‏، وثبت في الصحيح عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدّة، فكان مما يحرّك لسانه، فأنزل أي‏:‏ زدني منك علمًا‏.‏

قال ابن عُيَيْنَة، رحمه الله‏:‏ ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة ‏[‏من العلم‏]‏ حتى توفاه الله عز وجل‏.‏

ولهذا جاء في الحديث‏:‏ ‏"‏إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن ماجه‏:‏ حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏اللهم انفعني بما علَّمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله على كل حال‏"‏‏.‏

وأخرجه الترمذي، عن أبي كُرَيْب، عن عبد الله بن نُمَيْر، به‏.‏ وقال‏:‏ غريب من هذا الوجه‏.‏ ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به‏.‏ وزاد في آخره‏:‏ ‏"‏وأعوذ بالله من حال أهل النار‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏115 - 122‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي‏.‏ وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عنه‏.‏

وقال مجاهد والحسن‏:‏ تَرَكَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ‏}‏ يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا‏.‏

وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة ‏"‏البقرة‏"‏ وفي ‏"‏الأعراف‏"‏ وفي ‏"‏الحجر‏"‏ و‏"‏الكهف‏"‏ وسيأتي في آخر سورة ‏"‏ص‏"‏ ‏[‏إن شاء الله تعالى‏]‏‏.‏ يذكر فيها تعالى خَلْقَ آدم وأَمْرَه الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى‏}‏ أي‏:‏ امتنع واستكبر‏.‏ ‏{‏فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ‏}‏ يعني‏:‏ حواء، عليهما السلام ‏{‏فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى‏}‏ أي‏:‏ إياك أن يسعى في إخراجك منها، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، لا كلفة ولا مشقة‏.‏

‏{‏إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى‏}‏ إنما قرن بين الجوع والعُرْي؛ لأن الجوع ذُلّ الباطن، والعري ذُلّ الظاهر‏.‏

‏{‏وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى‏}‏ وهذان أيضًا متقابلان، فالظمأ‏:‏ حر الباطن، وهو العطش‏.‏ والضحى‏:‏ حر الظاهر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى‏}‏ قد تقدم أنه ‏{‏دَلاهُمَا بِغُرُور‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 22‏]‏؛ ‏{‏وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 21‏]‏‏.‏ وقد

تقدم أن الله تعالى أوحى إلى آدم وزوجته أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة‏.‏ فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرةَ الخلد -يعني‏:‏ التي من أكل منها خلد ودام مكثه‏.‏ وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي‏:‏ حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يحدث، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ما يقطعها وهي شجرة الخلد‏"‏‏.‏ ورواه الإمام أحمد‏.‏

وقول‏:‏ ‏{‏فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا‏}‏ قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحُوق‏.‏ فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته‏.‏ فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَد في الجنة، فأخذتْ شعرَه شجرة، فنازعها، فنادى الرحمن‏:‏ يا آدم، منِّي تفر‏؟‏ فلما سمع كلام الرحمن قال‏:‏ يا رب، لا ولكن استحياء أرأيت إن تبت ورجعت، أعائدي إلى الجنة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏"‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ‏}‏ وهذا منقطع بين الحسن وأُبيّ بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يرقعان كهيئة الثوب‏.‏ وكذا قال قتادة، والسدي‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا جعفر، عن عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ‏}‏ قال‏:‏ ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى‏}‏ قال البخاري‏:‏ حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حاجّ موسى آدم، فقال له‏:‏ أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم‏؟‏ قال آدم‏:‏ يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني -أو‏:‏ قدره الله عليّ قبل أن يخلقني -‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فحج آدم موسى‏"‏‏.‏ وهذا الحديث له طرق في الصحيحين، وغيرهما من المسانيد‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذُبَابَ، عن يزيد بن هرمز قال‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حَجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى‏:‏ أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك‏؟‏ قال آدم‏:‏ أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نَجِيًّا، فبكم وجدتَ الله كتب التوراة ‏[‏قبل أن أخلق‏]‏ قال موسى‏:‏ بأربعين عامًا‏.‏ قال آدم‏:‏ فهل وجدتَ فيها ‏{‏وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى‏}‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أفتلومني على أن عملتُ عملا كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة‏"‏‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فحج آدم موسى‏"‏‏.‏

قال الحارث‏:‏ وحدثني عبد الرحمن بن هُرْمزُ بذلك، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123 - 126‏]‏

‏{‏قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى‏}‏

يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس‏:‏ اهبطوا منها جميعًا، أي‏:‏ من الجنة كلكم‏.‏ وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة‏"‏‏.‏

‏{‏بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}‏ قال‏:‏ آدم وذريته، وإبليس وذريته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى‏}‏ قال أبو العالية‏:‏ الأنبياء والرسل والبيان‏.‏

‏{‏فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة‏.‏

‏{‏وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي‏}‏ أي‏:‏ خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ‏{‏فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا‏}‏ أي‏:‏ في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ‏[‏ضيق‏]‏ حَرَج لضلاله، وإن تَنَعَّم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه

ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد‏.‏ فهذا من ضنك المعيشة‏.‏

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا‏}‏ قال‏:‏ الشقاء‏.‏

وقال العوفي، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا‏}‏ قال‏:‏ كل مال أعطيته عبدًا من عبادي، قل أو كثر، لا يتقيني فيه، فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة‏.‏ ويقال‏:‏ إن قومًا ضُلالا أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكا؛ ‏[‏و‏]‏ ذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفًا لهم معايشهم، من سوء ظنّهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله، ويسيء الظن به والثقة به اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ هو العمل السيئ، والرزق الخبيث، وكذا قال عكرمة، ومالك بن دينار‏.‏

وقال سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قوله‏:‏ ‏{‏مَعِيشَةً ضَنْكًا‏}‏ قال‏:‏ يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه فيه‏.‏ قال أبو حاتم الرازي‏:‏ النعمان بن أبي عياش يكنى أبا سلمة‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏ضمة القبر‏"‏ الموقوف أصح‏.‏

وقال ابن أبي حاتم أيضًا‏:‏ حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، عن ابن حُجَيْرة -اسمه عبد الرحمن -عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيم أنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا‏}‏‏؟‏ أتدرون ما المعيشة الضنك‏؟‏‏"‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تِنِّينًا، أتدرون ما التنين‏؟‏ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس، ينفخون في جسمه، ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون‏"‏‏.‏‏.‏

رفعه منكر جدًا‏.‏

وقال البزار‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا محمد بن عمرو حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، ‏[‏عن أبي حُجَيْرة‏]‏ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏المعيشة الضنك الذي قال الله تعالى‏:‏ أنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية، ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة‏"‏‏.‏

وقال أيضًا‏:‏ حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏عذاب القبر‏"‏‏.‏ إسناد جيد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى‏}‏ قال مجاهد، وأبو صالح، والسدي‏:‏ لا حجة له‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ عُمِّي عليه كل شيء إلا جهنم‏.‏

ويحتمل أن يكون المراد‏:‏ أنه يُحشَر أو يبعث إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 97‏]‏‏.‏ ولهذا يقول‏:‏ ‏{‏رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا‏}‏ أي‏:‏ في الدنيا‏.‏

‏{‏قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى‏}‏ أي‏:‏ لما أعرضت عن آيات الله، وعامَلْتها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك ‏[‏اليوم‏]‏ معاملة من ينساك ‏{‏فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 51‏]‏ فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان مُتَوَعدًا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، قال الإمام أحمد‏:‏

حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم‏"‏‏.‏

ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏127‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى‏}‏

يقول تعالى‏:‏ وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 34‏]‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى‏}‏ أي‏:‏ أشد ألمًا من عذاب الدنيا، وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين‏:‏ ‏"‏إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128 - 130‏]‏

‏{‏أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَهْدِ‏}‏ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به‏:‏ يا محمد، كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها، يمشون فيها، ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى‏}‏ أي‏:‏ العقول الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 46‏]‏، وقال في سورة ‏"‏الم السجدة‏"‏‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 26‏]‏‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى‏}‏ أي‏:‏ لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة لجاءهم العذاب بغتة؛ ولهذا قال لنبيه مسليًا له‏:‏ ‏{‏فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ‏}‏ أي‏:‏ من تكذيبهم لك، ‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ‏}‏ يعني‏:‏ صلاة الفجر، ‏{‏وَقَبْلَ غُرُوبِهَا‏}‏ يعني‏:‏ صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البَجَليّ رضي الله عنه قال‏:‏ كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال‏:‏ ‏"‏إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا‏"‏ ثم قرأ هذه الآية‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن رُوَيْبة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏لن يَلجَ النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‏"‏‏.‏ رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به‏.‏

وفي المسند والسنن، عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألف سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لَمَنْ ينظر إلى الله عز وجل في اليوم مرتين ‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ‏}‏ أي‏:‏ من ساعاته فتهجد به‏.‏ وحمله بعضهم على المغرب والعشاء، ‏{‏وَأَطْرَافَ النَّهَارِ‏}‏ في مقابلة آناء الليل، ‏{‏لَعَلَّكَ تَرْضَى‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وفي الصحيح‏:‏ ‏"‏يقول الله‏:‏ يا أهل الجنة، فيقولون‏:‏ لبيك ربنا وسعديك‏.‏ فيقول‏:‏ هل رضيتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك‏؟‏ فيقول‏:‏ إني أعطيكم أفضل من ذلك‏.‏ فيقولون‏:‏ وأي شيء أفضل من ذلك‏؟‏ فيقول‏:‏ أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا ‏"‏‏.‏

وفي الحديث ‏[‏الآخر‏]‏ يقال‏:‏ ‏"‏يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن يُنْجزكُمُوه‏.‏ فيقولون‏:‏ وما هو‏؟‏ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة‏؟‏ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم خيرًا من النظر إليه، وهي الزيادة ‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131 - 132‏]‏

‏{‏وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى‏}‏

يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه‏:‏ لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏أَزْوَاجًا مِنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الأغنياء فقد آتاك ‏[‏الله‏]‏ خيرًا مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 87، 88‏]‏، وكذلك ما ادخره الله تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يُحَدّ ولا يوصف، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 5‏]‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى‏}‏‏.‏

وفي الصحيح‏:‏ أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه، حين آلى منهم فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير وليس في البيت إلا صُبْرَة من قَرَظ، وأهَب معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال رسول الله‏:‏ ‏"‏ما يبكيك‏؟‏‏"‏‏.‏فقال‏:‏ يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏أوفي شك أنت يا ابن الخطاب‏؟‏ أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا‏"‏‏.‏ فكان صلوات الله وسلامه عليه أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا، في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ أنبأنا يونس، أخبرني ابن وهب، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله من زهرة الدنيا‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ وما زهرة الدنيا يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏بركات الأرض ‏"‏‏.‏ وقال قتادة والسدي‏:‏ زهرة الحياة الدنيا، يعني‏:‏ زينة الحياة الدنيا‏.‏

وقال قتادة ‏{‏لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ‏}‏ لنبتليهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصطبر أنت على فعلها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه‏:‏ أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم فنقول‏:‏ لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا ‏[‏استيقظ أقام‏]‏ -يعني أهله -وقال‏:‏ ‏{‏وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ‏}‏ يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 2، 3‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56-58‏]‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ‏}‏ وقال الثوري‏:‏ ‏{‏لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا‏}‏ أي‏:‏ لا نكلفك الطلب‏.‏ وقال ابن أبي حاتم ‏[‏أيضًا‏]‏ حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه؛ أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدارقرأ‏:‏ ‏{‏وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏نَحْنُ نَرْزُقُكَ‏}‏ ثم يقول‏:‏ الصلاة الصلاة، رحمكم الله‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القَطَوَاني، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، عن ثابت قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه خصاصة نادى أهله‏:‏ ‏"‏يا أهلاه، صلوا، صلوا‏"‏‏.‏ قال ثابت‏:‏ وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة‏.‏

وقد روى الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يقول الله تعالى‏:‏ يا ابن آدم تَفَرَّغ لعبادتي أمْلأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك ‏"‏‏.‏

وروى ابن ماجه من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود‏:‏ سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هَمّ دنياه‏.‏ ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك ‏"‏‏.‏

وروي أيضًا من حديث شعبة، عن عُمَر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من كانت الدنيا هَمَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له‏.‏ ومن كانت الآخرة نيَّته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ‏"‏‏.‏

‏{‏وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى‏}‏ أي‏:‏ وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة، لمن اتقى الله‏.‏

وفي الصحيح‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب ‏[‏من رطب‏]‏ ابن طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب ‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏133 - 135‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى‏}‏

يقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم‏:‏ ‏{‏لَوْلا‏}‏ أي‏:‏ هلا ‏{‏يَأْتِينَا‏}‏ محمد ‏{‏بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ‏}‏ أي‏:‏ بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله‏؟‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى‏}‏ يعني‏:‏ القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله وهو أمي، لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين، بما كان منهم في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها؛ فإن القرآن مهيمن عليها، يصدق الصحيح، ويُبَيّن خطأ المكذوب فيها وعليها‏.‏ وهذه الآية كقوله تعالى في سورة ‏"‏العنكبوت‏"‏‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 50، 51‏]‏ وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ‏"‏‏.‏

وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها، عليه السلام، وهو القرآن، وله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا‏}‏ أي‏:‏ لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا‏}‏ قبل أن تهلكنا، حتى نؤمن به ونتبعه‏؟‏ كما قال‏:‏ ‏{‏فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى‏}‏، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون ‏{‏وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 97‏]‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 155-157‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 42‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 109، 110‏]‏‏.‏ثم قال تعالى ‏{‏قُلْ‏}‏ أي‏:‏ يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده ‏{‏كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ‏}‏ أي‏:‏ منا ومنكم ‏{‏فَتَرَبَّصُوا‏}‏ أي‏:‏ فانتظروا، ‏{‏فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ‏}‏ أي‏:‏ الطريق المستقيم، ‏{‏وَمَنِ اهْتَدَى‏}‏ إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى ‏{‏وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 42‏]‏، ‏{‏سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 26‏]‏‏.‏

آخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنة‏.‏

سورة الأنبياء

وهي مكية‏.‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غُنْدَر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق‏:‏ سمعت عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله قال‏:‏ بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأول، وهن من تلادي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏1 - 6‏]‏

بسم الله الرحمن الرحيم

‏{‏اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ‏}‏

هذا تنبيه من الله، عز وجل، على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي‏:‏ لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها‏.‏

وقال النسائي‏:‏ حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏في الدنيا‏"‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 1‏]‏، وقال ‏[‏تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 1، 2‏]‏

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نُوَاس الشاعر أنه قال‏:‏ أشعر الناس الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول‏:‏

النَّاس في غَفَلاتِهِمْ *** وَرَحا المِنيَّة تَطْحَن

فقيل له‏:‏ من أين أخذ هذا‏؟‏ قال ‏:‏ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ‏}‏‏.‏

ثم أخبر تعالى أنهم لا يُصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار، فقال‏:‏ ‏{‏مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ‏}‏ أي‏:‏ جديد إنزاله ‏{‏إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ‏}‏ كما قال ابن عباس‏:‏ ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حَرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرءونه محضًا لم يشب‏.‏ ورواه البخاري بنحوه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا‏}‏ أي‏:‏ قائلين فيما بينهم خفْيَةً ‏{‏هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ‏}‏ يعنونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستبعدون كونه نبيًا؛ لأنه بَشَرٌ مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ‏}‏‏؟‏ أي‏:‏ أفتتبعونه فتكونون كمن أتى السحر وهو يعلم أنه سحر‏.‏ فقال تعالى مجيبًا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب‏.‏

‏{‏قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ الذي يعلم ذلك، لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا الذي يعلم السر في السموات والأرض‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ السميع‏]‏ لأقوالكم، ‏{‏الْعَلِيم‏}‏ بأحوالكم‏.‏ وفي هذا تهديد لهم ووعيد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ‏}‏ هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم، واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه‏.‏ فتارة يجعلونه سحرًا، وتارة يجعلونه شعرًا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفتري، كما قال‏:‏ ‏{‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 48، والفرقان‏:‏ 9‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ‏}‏‏:‏ يعنون ناقة صالح، وآيات موسى وعيسى‏.‏ وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا‏}‏ ‏[‏الآية‏]‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 59‏]‏؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما آتينا قرية من القرى الذين بعث فيهم الرسل آية على يَدَيْ نبيها فآمنوا بها، بل كذبوا، فأهلكناهم بذلك، أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رَأَوْها دون أولئك‏؟‏ كلا بل ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 96، 97‏]‏‏.‏

هذا كله، وقد شاهدوا من الآيات الباهرات، والحجج القاطعات، والدلائل البينات، على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أظهر وأجلى، وأبهر وأقطع وأقهر، مما شُوهِدَ مع غيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين‏.‏

قال ابن أبي حاتم، رحمه الله‏:‏ ذكر عن زيد بن الحباب، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا الحارث بن زيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، حدثني من شهد عبادة بن الصامت، يقول‏:‏ كنا في المسجد ومعنا أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، يُقْرِئُ بعضنا بعضا القرآن، فجاء عبد الله بن أبي بن سلول، ومعه نُمْرُقة وزِرْبِيّة، فوضع واتكأ، وكان صبيحًا فصيحًا جدلا فقال‏:‏ يا أبا بكر، قل لمحمد يأتينا بآية كما جاء الأولون‏؟‏ جاء موسى بالألواح، وجاء داود بالزبور، وجاء صالح بالناقة، وجاء عيسى بالإنجيل وبالمائدة‏.‏ فبكى أبو بكر، رضي الله عنه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر‏:‏ قوموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نستغيث به من هذا المنافق‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنه لا يقام لي، إنما يقام لله عز وجل‏"‏‏.‏ فقلنا‏:‏ يا رسول الله، إنا لقينا من هذا المنافق‏.‏ فقال‏:‏‏"‏إن جبريل قال لي‏:‏ اخرج فأخبر بنعم الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فُضِّلت بها، فبشرني أني بعثت إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أمّي، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان وأيدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعون مقنعو رءوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفًا من أمتي الجنة بغير حساب وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة في جنات النعيم ، فليس فوقي أحد إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحل لي الغنائم، ولم تحل لأحد كان قبلنا‏"‏‏.‏ وهذا الحديث غريب جدًا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7 - 9‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ‏}‏

يقول تعالى رادِّا على من أنكر بعثة الرسل من البشر‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا يُوحَى إِلَيْهِمْ‏}‏

أي‏:‏ جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالا من البشر، لم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا يُوحَى إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 109‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏9‏]‏، وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم أنهم أنكروا ذلك فقالوا‏:‏ ‏{‏أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏6‏]‏؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف‏:‏ هل كان الرسل الذين أتوهم بشرًا أو ملائكة‏؟‏ إنما كانوا بشرًا، وذلك من تمام نِعمَ الله على خلقه؛ إذ بعث فيهم رسلا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ‏}‏ أي‏:‏ بل قد كانوا أجسادًا يأكلون الطعام، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏20‏]‏ أي‏:‏ قد كانوا بشرا من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئًا، كما توهمه المشركون في قولهم‏:‏ ‏{‏مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 7، 8‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ‏}‏ أي‏:‏ في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون، ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏34‏]‏، وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله عز وجل، تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكم في خلقه مما يأمر به وينهى عنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ‏}‏ أي‏:‏ الذي وعدهم ربهم‏:‏ ‏"‏ليهلكن الظالمين‏"‏، صدقهم الله وعده ففعل ذلك؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ‏}‏ أي‏:‏ أتباعهم من المؤمنين، ‏{‏وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ‏}‏ أي‏:‏ المكذبين بما جاءت الرسل به‏.‏